بين الفوز والخسارة: الضمانة هي الميادين – ،علي ارجين دميرهان

[بين الفوز والخسارة: الضمانة هي الميادين ،علي ارجين دميرهان[1

لماذا نثق بشريك الحكومة “المجلس الأعلى للانتخابات”، أو بالحزب الجمهوري الذي لا يعي ما يقول، أو بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأروبي الذان يدعمان أقذر أنواع الديكتاتوريات طالما ظلّت تحمي مصالحهم؟ هل من الممكن أن نرى مكاناً أكثر أمناً من ميادين وشوارع بلدنا؟

:لو طُلِب منّا أن نلتقط صورة للّحظة التي تم فيها الإعلان عن نتائج الاستفتاء عبر وكالة الآن اضول وأن نقيّم تلك اللحظة لقلنا ما يلي

إن طيب أردوغان حصل ،علىى كل سلطات الحُكم التي يريد عبر إجراءات غير مشروعة وغير عادلة ومشتبهة. لكنه في الأصل لم يكن يبحث عن الشرعية بل كلُّ ما كان يحلُم به هو السّلطة. وسيستخدم كل السّلطات المتاحة للبقاء ماكثاً في مكانه

وإذا ما لاحظنا أن أكثر نسبة للأصوات التي اكتسبها كانت من منطقة البحر الأسود ومن وسط الأناضول[2] وإذا ما رأينا أنه زاد من نسبته في المناطق الكردية (بالسلاح والمُلابسات) فإنه من الواضح أن أردوغان قد ربح هذا الاستفتاء من خلال الحرب على الأكراد. إن أردوغان سيستمر في تكتيك “الربح بضرب الأكراد”. لأنه ومن خلال هذا يتمكن من قسم الجبهة المضادة ومن توحيد قواعده. أردوغان وعند صعوده لشرفة القصر معلناً عن فوزه في الاستفتاء فإن أول ما تفوه به هو الإعدام[3]. لأنه يعي تماماً  أن ردّ زعيم الحزب الجمهوري سيكون “لو يتقدموا بهذا الاقتراح للمجلس لكنا من المؤيدين”، وهو يعي أنه ومن خلال هذا الموقف للحزب الجمهوري سيشق صفّ الأتراك والأكراد المصطفين خلف ال`لا` في الاستفتاء

ولكن من ناحية أخر يجب أن لا ننسى أنه ،على الرغم من أنّ أردوغان وباهشيلي[4] يبدوان أنهما الرابح في معركة الاستفتاء ذاتها إلا أنهما كانا الخاسرين في معركة الاستفتاء السياسية. ليس لأنّهما خسِرا في 17 من كبرى المدن والتي تعدّ ثلثي القوة الإنتاجيّة الحقيقية للدولة، ولكن لأنهما لم يحققا توحيداّ ثابتا ومستقراً  لقوى اليمين في الدولة التركية والمجتمع. وبالتالي لم يستطيعا فرد السلطة الكاملة على القوى الرجعية في الدولة. حيث أن اتفاق أردوغان باهشيلي، وبعدم قدرته على تحقيقه ال 55 – 60 % المرجوّة من مجموع قواهما اليمينية أدى إلى زيادة عدد التيارات اليمينية وتفرِّقها في القواعد وتوزعها على تيارات كانت صغيرة في اليمين. باختصار إن أردوغان لم يتمكن من أن يحصل على السلطة اليمينية التي كان يطمح لها. أي أنه لم يربح

أمّا الآن  فإن تلك المجموعات اليمينية التي بدأت تكبر بابتعادها عن حلف أردوغان – باهشيلي فإنها ستبدأ بتشكيل مراكز يمينية جديدة تنمو في كل خطوة يخطوها هذا الحلف. وسيمرُّ من خلال هذا الممر الذي افتتحته المعارضة الداخلية في الحزب القومي كل من اليمين المركزي والإسلام السياسي 

نعم أردوغان لم يربح ولكن في ذات الوقت لا يبدو أن جبهة ال`لا` ستربح في وقت قريب. لنعترف ونقول أن الواجهة الأساسية لجبهة ال`لا` هو حزب الشعب الجمهوري. ولكننا نعرف في قرار ذواتنا أنّ قيادة الحزب ليست قادرة على توحيد كتلة ال`لا` لتقف في وجه التلاعب الواضح في الاستفتاء. حتى أنّ خسارة أردوغان لا تجعل منّا فائزين طبيعيين. إن ما نعيشه هو نتائج بقاء هذه السلطة في مكانها بعد أحداث حزيران[5] والتي كانت أكدت أن هذه السلطة ستخسر عاجلاً أم اجلاً

ولكن الحدث لم ينتهي هنا. الجماهير قررت الدخول إلى المشهد. في مساء السابع عشر من نيسان، ثاني يوم الاستفتاء وعند ملئ الالاف ساحات الأحياء والمدن تحت شعار “لا، نحن من ربح المعركة” فإن الجميع لاحظ أن المشهد لم ينتهي هناك في تلك اللحظة التي تم إعلان الفوز فيها من خلال بعض الأرقام والمعادلات التي بثت على الشاشات من مصدر واحد هو وكالة الأناضول. شيء ما خرج ليذكرنا أنّ هناك ما هو أهم من المجلس الأعلى للانتخابات وما هو أهم من الحزب الأساسي في المعارضة: إنها الشوارع والميادين

حركة شعبية أهم خصائصها أنها ذاتية. مرة أخرى دخلت السياسة سريعا لأول مرة بعد أحداث حزيران 2013. تفاعلٌ ما بين الكتل الشعبية في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي ذكرنا بأحداث حديقة جيزي. إن أول الردّ الشعبي الذي جاء يوم 17 نيسان والذي لم يكن واضحاً إلى أين سيتجه زاد وكبُر في الثلاثة أيام التالية وبدء ينتشر في كل أنحاء البلاد

بدءاً من اسطنبول وأنقرة وأزمير إلى اسكي شهير، أنطاليا، بورصة، أضنة، مرسين، موغلا، آيدين، تيكيرداغ، كاناكالي، كوروم، أرتفين، باليكسير وحتى مدينة كونيا التي كانت النعم فيها من أعلى الأصوات كلها خرجت بمسيرات مختلفة الحجم بعضها بعشرات الالاف وبعضها الآخر بالمئات. ولكن ما يبدو أنها تنمو وانها أكثر قوة

لا يوجد مركز أو بيان موحد أو كلمة واحدة لهذا الحراك الشعبي؛ على الأقل حتى الآن. ولكن ما هو الموجِّه لهذا الحراك؟ بالنظر إلى خريطة أحداث حزيران 2013 وانتخابات حزيران 2015 وخريطة الحراك الشعبي القائم فإننا نجد أن ما يجمع هذا الكل ويوجهه هو تجربته المشتركة والدروس المشتركة الناتجة عن هذه التجارب

:

  • .إن أردوغان يستخدم كل السلطات التي امتلكها بالقوة والحيلة. هو لا يبحث عن الشرعية
  • إن ظهور كمٍّ معارض لأردوغان قد يهدد سلطته كما بدا جلياً في خارطة الاستفتاء لا يعني شيئا بحد ذاته ولكن أردوغان الذي بدأ يُحس بتراجعه سيستخدم كل السلطات التي في يديه ليسحق ويُبدّد هذه الإمكانية الكامنة. وهو قد بدأ من الآن بالتهديد والوعيد بالحروب وتمديد حالة الطوارئ المستمرة في البلاد
  • إن الجماهير إن لم تتحرك في الميادين والشوارع مؤثرة في الحياة اليومية للمجتمع فإن الدستور الوطني والدستور الدولي وكل المؤسسات الداعمة للقيم الديمقراطية لن تفيد شيئا في مجرى الأحداث

إن الشعارات المطروحة في هذه المسيرات مثل “السارق حزب العدالة والتنمية والحامي له المجلس الأعلى للانتخابات” “لا، نحن من فاز” كلها تدل في ذات الوقت على امتعاض الشارع من التصاق الحزب الجمهوري بالشعارات الضعيفة والمبهمة

إن هذا المشهد هو ذاته الذي جعل رئيس الحزب الجمهوري يتقدم خطوة للأمام مُعلنا “إننا لا ولن نعترف بهذا الاستفتاء” وجعل مركز الحزب وعدداً من المراكز الأروبية تتحرك مُعلنة امتعاضها من نتائج الاستفتاء والتي في المحصلة دفعت أردوغان ليقوم بحملات اعتقالات واسعة

إن ضمانة أن يُحقّق هذا التحرُّك الشعبي نتائج لصالح القوى الديمقراطية التي تنادي “لا، نحن من فاز” هو مرتبط ببقاء كلّ من يرفض هذه السرقة والظلم وما ينتج عنهما من سيادة الرَّجُل الواحد في الشارع والتصاق هذه الكتل بالميادين وتقويتها بكل الوسائل وعدم السماح بتفرقتها

أمّا إن انسحب هذا الحراك دون أن يُحقق مكاسبه المرجوة فإن قيادة الحزب الجمهوري ستتراجع خطوة للوراء وتجلس في مكانها، وباهشيلي سيحصل على غرفة في القصر، أمّا بوتين وترامب ومقابل التفاهم حول القضية السورية، وأوروبا مقابل التفاهم حول موضوع اللاجئين فإنهم سيقبلون بحكم الرَّجُل الأردوغاني الواحد. ولن يكون من المفاجئ أن نرى المعارضة المُلتفة حول رفض حكم الرَّجُل الواحد ستتفرق وتتشتت على عتبة حربٍ قادمة أشدَّ وطأةً تجاه الأكراد. وإن لم يكن هذا المشهد أيضا نهاية أحداث التنصيب

ولكن لماذا نرضخ لقبول سرقة واضحة أمام مرأى العين لاسفتاء نحن من كنا ربحناه؟ لماذا نقبل أن يكون استفتاء مسروق هو المؤسِّس القانوني لحكم الرَّجُل الواحد؟ لماذا نغمض أعيننا عن المكتسبات الديمقراطية والعلمانية التي تم تحقيقها وإن لم تكن مكتملة؟ لماذا نثق بشريك الحكومة “المجلس الأعلى للانتخابات”، أو بالحزب الجمهوري الذي لا يعي ما يقول، أو بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأروبي الذان يدعمان أقذر أنواع الديكتاتوريات طالما ظلّت تحمي مصالحهم؟ هل من الممكن أن نرى مكاناً أكثر أمناً من ميادين وشوارع بلدنا؟

 

١٩ نيسان ٢٠١٧


[1] علي ارجين دميرهان صحفي تركي، مؤسس ومحرر موقع سنديكا أورغ الإخباري التحليلي باللغة التركية والذي تم إغلاقه للمرة الواحدة والثلاثين حتى تاريخ هذا المقال. ناشط سياسي في مجالات عدة منها حركة المقاطعة بي دي أس. تم اعتقاله في اليوم التالي من كتابته لهذا المقال بتهمة `إظهار ال`نعم` غير شرعية` وهو مضرب عن الطعام

[2] التي تعد خزانات التصويت للفكر القومي

[3] المقصود إعدام الزعيم الكردي عبدالله أوجلان

[4] رئيس الحزب القومي: حزب الحركة القومية

[5] الحراك الشعبي الواسع ضد الحكومة التركية أو ما يعرف بأحداث حديقة جيزي سنة 2013